الـفـراغ


كم من مضيع لأوقاته؟؟ ماضٍ فى غفلاته؟؟
يعد الفراغ من أخطر المشاكل التى نعانى منها فى زماننا ، ولن أبالغ إذا قلت إن فساد الأخلاق وتدهور الأحوال سببه الأساسى فراغ الأوقات.
يقول الشيخ عائض القرنى فى كتابه (لا تحزن) : [يوم تجد فى حياتك فراغ فاستعد للهمّ والغم والإكتئاب]
 هذا لأن فراغ وقتك يعنى فراغ عقلك فتتولد فيه الخيالات الفاسدة ، والفكر السلبى تجاه كل شئ ، والملل من الحياة وكراهيتها،
كما أنه يسحب تفكير الإنسان إلى تذكر الماضى وفتح ملفات قد أغلقها الزمان.

الفراغ  يؤدى بك إلى الإنزواء فى محيطك الضيق بينك وبين نفسك ، وبالتالى إرهاق النفس بالتفكير ، وإصابة الجسد بالخمول والكسل ،
 وقد ثبت حديثاً أن الفراغ يرهق أكثرمما ترهق ساعات العمل.


الإنسان الذى يعانى الفراغ يصبح كالدابة التى تأكل لتنام ثم تنام لتأكل ..لا فائدة له ولا منفعة منه ،
فهو لا يقدم شيئاً لنفسه ولا لغيره.
واعلم أيضاً أن الفراغ أعظم فرصة يتسلل منها الشيطان إلى قلب الإنسان وعقله وبالتالى يضيع عمله ،
يوم تفرغ فإنك تتيح مجال للشيطان ووساوسه ليتلاعب بك ويضلك ،
وهناك كثير من القصص المشهورة لأشخاص انتهت حياتهم بالإنتحار نتيجة للفراغ الذى يملؤها.

فقد يشكو البعض من طول الوقت والفراغ ويبحث عن شئ يقتل به وقته ، دون إدراك أنه يقتل نفسه،
فالفراغ قاتل ، يقتل بالبطئ ، فأنت لا تقتل الوقت والفراغ ، بل هو منْ يقتلك،
الإنسان الذى يستسلم للفراغ يسيئ لنفسه ويبخسها حقها ويهدر طاقتها هبائاً،
إن الوقت هو الحياة وليس فراغاً نتفنن فى إيجاد طرق لقتله إنما هو السبيل إلى التقدم.

على الإنسان ألا يدع يومه يمضى دون أن  يملؤه عملا وخيراً ، من غير إفراط ولا تفريط ،
دون إفراط بالعمل وإجهاد النفس ، ودون تفريط بالوقت وإضاعته فى غير منفعة ،
ليكن شعارك : لن اعيش إلا هذا اليوم ، فاغتنمه..

وإن العاق ليومه من تركه يذهب فى  غير منفعة لا علماً تعلمه ولا قرابة وصلها ولا خير سدده ،
أو كما قال الإمام على بن أبى طالب (من أمضى يومه فى غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عقَّ يومه وظلم نفسه).

إنا لنفرح بالأيام نقطعها**وكل يوم مضى يدنى من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً**إنما الربح والخسران فى العمل

كل يوم يمر يعنى نقص فى العمر وإقتراب الأجل ويجب على الإنسان ان يغتنم وقته وصحته ،
قال النبى صل الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : (إغتنم خمسا قبل خمسا ، حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك)

إن الوقت نعمة لا يقدر قيمتها كثيرون ، وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) رواه البخارى والترمزى والنسائى.
لذلك نجد الكثير يهمل فى تقدير قيمة الوقت ، ويتركه فيرحل ويمضى ، وتمر الأيام تلو الأخرى وهو لايزال على أمل انه سوف يفعل .. وسوف يذهب .. وسوف يحقق .. وسوف يعمل وسوف ينجز،،،،
دون إدراك لأهمية الوقت الذى يمضى ، دون وعى لإحتمال انقضاء أجله قبل تحقيق سوف ،
احذر كلمة سوف...

ــ فالحياة فرصة لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نفقدها،
ــ كما أن العافيه تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى،
ــ والراحة غفلة ، والفراغ لص محترف ، وعقلك هو الفريسة ،
ــ الراحة الحقيقية فى أداء العمل واستثمار الوقت فيما ينفع الإنسان ، وغيره ، ويقربه إلى الله ، ويبنى أمته.

اليوم الذى يمر لن يعود إلى يوم القيامة ، والإنسان سيُسأل يوم القيامة عن عمره فيما آفناه ،
لذلك كن نظامياً ، الإنسان النظامى ناجح ومتجدد ،
والكون بنى على النظام "لَا اَلشّمْسُ يَنْبَغِىِ لَهَاَ أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَلَا اَلّليِلُ سَاَبِقُ اَلنّهَاَر"

قسّم ساعات يومك واجعل ساعاته وكأنها سنوات واستفد من كل دقيقة ،
استغل كل وقت فى يومك لتزكية عملك وتنمية مواهبك واجتهد فى الطاعة ،
وينبغى إصلاح النية فى كل الأحوال والأوقات وقبل أى عمل .. كبيراً كان أو صغيراً ، كما قال معاذ رضى الله عنه (أما أنا فأقوم وأنام وأرجوا فى نومتى ما أرجوا فى قومتى)..
لتكن لديك عزيمة على ملء الوقت بما هو مفيد ، اذبح الفراغ بسكين العمل ، وكن دؤوباً نشيطا وتخلص من الكسل ،
ــ كان  عمر رضى الله عنه  دؤوبا فى عمله ليلا ونهارا ، فقيل له ألا تنام قال لو نمت الليل ضاعت نفسى ولو نمت النهار ضاعت رعيتى ــ
عليك بالحركة والتفكر فى خلق الله ، المحافظة على الصلاة ، حفظ القرأن والحديث ، تبنى عمل خيرى ، الإجتماع بالرفقه الصالحة ، الاهتمام بالقراءة  ، إقرأ الكتب المفيدة ، التعلم والإنخراط فى مجال الدعوة ،الإنشغال بهواية ، ينبغى على الإنسان تنمية مهاراته ومواهبه ، تعلم بعض الأعمال اليدوية وخاصة للنساء..

وتذكر "ان أحب الأعمال إل الله أدومها وإن قلَّ" ، فقط عليك المداومة على العمل ،
ولا تنسى نفع غيرك ، لتترك اثراً طيبا بعد رحيلك ،
كن رجلاً إذا آتوا بعده...يقولون مرَّ ، وهذا الأثر!!

قل أحد البلغاء لا تمضى يومك فى غير منفعة ، ولا تضع مالك فى غير صنيعة ، فالعمر أقصرمن أن ينفد فى غير المنافع والمال أقل من ان يصرف فى غير الصنائع والعاقل أجل من أن يفنى أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره وينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره.

أخـيـراً : إن بناء أى مجتمع اقتصاديا وعلميا وثقافيا يعتمد بالدرجة الأول على أفراد وشباب يعملون ويكدون ويجتهدون ،
فكم من الدول افتقرت للثروات الطبيعيه لكنها تمتلك ثروة بشريه استطاعت بها ان تصل لدرجات عالية من الرقى والتقدم ،
واستطاعت ان تستغل ثروتها البشرية لتصل إلى العلا والتطور والنمو الإزدهار .

قال ابن الجوزى ينصح ولده : "فانتبه يا بنى لنفسك ، اندم على ما مضى من تفريطك .. واجتهد فى لحاق الكاملين مادام فى الوقت سعة ، واستق غصنك ما دامت فيه رطوبة ، واذكر ساعتك التى ضاعت فكفى عظة ، ذهب لذة الكسل فيها وفاتت مراتب الفضائل".

يَا غَافِلاً والمَنَايَا مِنْهُ ذَاكِرَةٌ ** وَضَاحِكَاً والرَّدَى مِنْهُ عَلَى حَنَقِ
قَطَعْتَ عُمْرَكَ فِى سَهْوٍ وفِى سِنَةٍ ** ومِنْ أَمِاِمكَ لَيْلٌ دَاِئِمُ

تعليقات

‏قال غير معرف…
نعم ان الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك والحمد لله لانى وقتى مشغول على طول ولاعندى فراغ ( خيرية ) نسيت اكتب اسمى فى قراتى للمقال 1 وانا اكتب لك فى 2

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنحتفل بمولده ،، أمْ بوفاته!!

ما بين الحب والزواج التقليدى

أبناؤنا والهجرة