من الموت إلى الموت


تحت الأمطار الغزيرة والثلج المتساقط على الحدود بين البلدين ، كان يجول باحثاً عن طبيبة أو طبيب،
فزوجته حامل وعلى وشك أن تضع مولودها الأول..
 قُدّرَ  له ان يولد بعيداً ، وسط حالة من التوتر والرعب جراء قصف وقذائف ومتفجرات،
 فارقوا ديارهم هرباً من الموت ، إلتجئوا للدول المحيطة احتماءاً من التعذيب والقتل ، وكل جريمتهم أنهم يحلمون بوطن أفضل،
وكل إثمهم انهم ثاروا فى وجه حاكم ظالم وأرادوا الحرية،
تركوا بيوتهم ، مات  الكثير من أطفالهم ، وترملت أغلب نسائهم ، فخرجوا فراراً  على أمل العودة قريباً،
بعد أن كانوا مكرمين فى بلدهم ، صاروا لاجئين على حدودها لا داخلها ولا خارجها...
حدود مصطنعة وضعها الأجنبى ورسمها ، وللأسف زادت وانتشرت وتضاعفت..
غادر مئات الألاف ومن جميع الفئات ديارهم ، وانتشروا فى بقاع شتى طلبا للسلامة والأمن ولقمة العيش
وأهم من ذلك طلبا للحرية التى افتقدوها فى وطنهم.

لازال هو يبحث عن من يساعد زوجته ، و لازالت الزوجة تصرخ من شدة ألم الوضع ،
حتى وصل إلى أحد مخيمات اللاجئين عسى يجد بغيته .. لكن لا وجود للطب أو الأطباء،
أخذ يجرى و قد تشبعت ملابسه بماء المطر، ولا يدرى إلى أين يذهب وأين سيجد أطباء ؟!
الأمطار غزيرة  والرياح قوية ، وصوت الرعد أقوى من صوت قصف الطائرات
إبتعد عن المخيم بعد أن ترك زوجته هناك وظل يجرى فى الظلام وكلما أومض البرق فى السماء أضاء له الطريق قليلاً
حتى وصل إلى احدى نقاط التفتيش على الحدود ،، ليس بها سوى عساكر وجنود
همَّ يتصل بزوجته لكن لا اتصال ، فشبكات الإتصال منقطعة ،
إزدادت الامطار وأشتدت الرياح ،ولا يزال هو يجرى وقدماه غارقتان فى ماء المطر، وسط هذا البرد القارس والظلام الدامس 
وعندما توقف عن السير وقرر العودة للمخيم ،، اكتشف انه ضل الطريق....

فى المخيم كانت الزوجة فى لحظاتها الأخيرة ، وعلا صراخها وانتشر بأرجاء المخيم ،
إجتمع بعض النساء دون وجود طبيب ، وساعدنها حتى وضعت مولودها بسلام ،
كان يجدر له ان يولد مثلهم على أرض وطنه وفى محيط هادئ،
لكن قدره أن يولد لاجئاً وسط مخيمات اللاجئين ، مشرداً على الحدود دون مأوى أو ملاذ....
وبعد ساعات بدأت تستعيد عافيتها ، فسألت عن زوجها ،
لكن لا أحد يعرف فقد ذهب يحضر طبيباً ولم يعد منذ الحين ,
مرت ساعات الليل وكأنها سنوات حتى حل الصباح ، لكن لا أثر له ,
اجتمع بعض الرجال وذهبوا للبحث عنه وعادوا بخيبة الأمل ,
وبعد أيام آتاها هو..محمولاً على الأكتاف ، قد مات جراء العاصفة ... ليس رصاصاً ولا قذيفة ،
 مات وتوارى جسده تحت المطر وأكوام الثلج بعد أن تجمد جسده وفارقته روحه ,
رضوا بالمخيم فراراً من الموت إلى الموت،،
خرجوا من ديارهم هربا من الموت تحت القصف والقذائف ، للموت تحت الأمطار والثلج والعواصف...
فهنيئاً لهم الشهادة بكل صورها.

تعليقات

‏قال غير معرف…
جزاكي الله خيرا
بأن يمن

عليكي بالجنة ورؤية وجهه الكريم

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنحتفل بمولده ،، أمْ بوفاته!!

ما بين الحب والزواج التقليدى

أبناؤنا والهجرة