مضى الزمان وشَبَّ الطفلان


ظلَّ واقفاً أمام باب الحديقة المحيطه ببيته،،، ساكناً فى مكانه يتابع رحيلها فى صمت،،
إنها جارته وصديقة طفولته ستغادر اليوم مع أهلها وترحل بعيداً
وقف يتابع تحميل أغراضهم على السيارة التى سنتقلهم حيث يريدون.
حتى رأها تخرج من باب البيت ،، تتأبط ذراع أمها بساعدها الأيمن ،، وعلى ساعدها الأيسر يتدلّى وشاحها الملازم لها ذو اللون البنفسجى...
نظرت له نظرة حزن..تملأ عيناها الدموع تكاد تخفيها كى لا يلاحظها أحد
قاطع هذا الصمت صوت الأم تسأله:أين والدتك؟؟نريد أن نودعها قبل أن نغادر
ركض مسرعاً داخل البيت ليحضر أمه 
تقابلت السيدتان وتبادلا السلام ودار بينهما حديث ليس بطويل
ظلَّ هو ينظر فى عيناها حتى لاحظ دموعها المختنقة
إضطرب وتوتر ولم يدرى ماذا يفعل كى يُذهب عنها حزنها!!
فمن الصعب أن يكون أخر لقاء بينهما حزين بهذا الشكل،،ومن المؤلم ان تكون أخر مرة يرى فيها وجهها يكون غير باسم،،ومن المحال أن يترك عيناها تزرف دمعاً
تركهم وأسرع داخل البيت يبحث عن شئ يقدمه لها يخفف عنها حزنها ويرسم على وجهها بسمة
تعجبت هى وتسائلت مع نفسها..هل ذهب ليبكى؟؟ام لا يهتم بفراقى وبُعدى؟؟
ليتنى آراه مرة أخرى...
 توقفت عن حديثها مع نفسها عندما لمحته خارجاً من باب البيت مهرولاً متجهاً إلى الحديقة الخلفية
لكن لم يكن لديها متسع من الوقت لتفكر ما عساه يفعل ،، فقد انتهى الحديث بين السيدتان وحان وقت الرحيل
إتجهت إلى السيارة التى ستقلهم ،،ولا تزال تحبس دموعها حتى صارت كالغصة فى حلقها تكاد تخنقها
لا زالت رغبتها تُلحّ عليها لتراه مرة أخيرة....
أغمضت عيناها مطأطأة الرأس، مستسلمة ليد أمها تسحبها خلفها
إستوقفها هو،،يشدّ طرف وشاحها البنفسجى اللون المتدلى على ساعدها
تهلل وجهها حين رأته ممسكاً بيده مجموعة من الزهور زاهية الألوان إقتطفها من حديقة المنزل الخلفية
خفق قلبها فرحاً ومدت يدها لتأخذها وارتسمت على وجهها بسمة
وهذا ما كان يتمناه...ألا يتركها ترحل دون ان يرى بسمتها للمرة الأخيرة
أمسكت بالزهور تشتم عبيرها،،ولم تنتبه للوشاح حيث سقط من على ساعدها
أسرع هو يلتقطه ويسلمه لها،،أشارت إليه أن احتفظ به
تركته وذهبت لتركب السيارة،،وظلَّ هو متابعاً رحيلها حتى غابت السيارة عن نظره
عاد لبيته حاملاً بيديه  الوشاح البنفسجى والذى مازالت تفوح منه رائحة عطرها
وقف فى شرفته ينظر إلى الطريق وكأنه يراها هناك حيث كانا يلعبان وهما صغار
يسيرا فى هذا الطريق الطويل يمضيا ويعودان،،ممسكاً بيدها،،ويتسابقا ويلعبان
يستظلا بالشجر ويتبادلا القصص والحواديت ويمرحان
تعجب،،كيف مضت الأيام مسرعةً وشبَّ الطفلان
وبعد أن كانت يداهما لا تفترقان،،صار التواصل بالنظرات وبلغة العيون يتحدثان
والأن قد أصبحت له ذكرى...كلما اشتاق إليها أمسك بالوشاح البنفسجى ليشتم عطرها فيه ، ويضعه فوق كتفه ويلفه حول رقبته
ويقف فى شرفته ناظراً للطريق الذى طالما شهد على أجمل أيام صباهم
ويُخيّل إليه أنها أمامه...الطفلة الصغيرة ذات البشرة البيضاء و ضفائر الشعر السوداء,, تسير بجواره، ممسكة بيديه ......




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنحتفل بمولده ،، أمْ بوفاته!!

ما بين الحب والزواج التقليدى

أبناؤنا والهجرة