صديقها الحائط

فزعت  من نومها على صياح ،، ليس صياح الديك ،، ولكنه الشجار المعتاد بين أمها وأبيها حيث يصيح الأب وتصرخ الأم..
تقفز من سريرها مسرعةً خارج غرفتها لتحول بينهما ، فهذه الأم ملقاة على الأرض وكأنها -ذبيحة- والأب فوقها ينهال عليها بالضرب والشتم ، وترد عليه هى الأخرى بالسب والشتم ، ألفاظ بذيئة اعتادت سماعها هذة الفتاة التى مازالت بعمر الزهور

تشمّر عن ساعديها إستعداداً لحسم المعركة وكأنها بين إثنين يتعاركوا بالطريق ،
 تحاول جاهدة بيداها الصغيرة إبعاد يد أبيها وبالطبع ينالها من الضرب نصيب لا بأس به ،،فتسقط على الأرض بجسدها الهزيل الصغير
يبتعد الأب داخلاً غرفته مغلقاً الباب خلفه بدفعة تزلزل العمارة كلها.

تنظر إلى أمها فتراها تنزف من أنفها وفمها من شدة الضرب ، هذا بجانب أثار الكدمات زرقة واحمرارعلى الجسم بأكمله ،،،، مشهد معتاد متكرر....

تمسك بيد والدتها تساعدها على القيام لتجلس على أقرب كرسى ، تحاول مسرعةً إسعاف ومعالجة هذا النزيف الدموى ، قائلة:
لماذا انجبتينى يا أمى؟؟ليتنى لم أولد..ليتنى لم أولد
قد أتعبتنى المشاكل  و أرهقتنى النزاعات
حرام عليكوا إرحمونى .. إرحمونى أنا!!!!

تترك أمها قليلاً وتتجه لاخواتها الصغار ، فهى أكبرهم ، تحاول تهدئتهم وتدخلهم غرفتهم وتواسيهم بكلمات بسيطة وتحاول إضحاكهم ليتوقفوا عن البكاء...
وتظل بين هذا وذاك ، تداوى هذا ، وتواسى هذا ، وتسمع هذا ، وتتحمل هذا ، وتُنصت لهذا ، و تُدخل السرور على هذا وو....
وهى لا تجد من يواسيها ، لا تجد من ينصت لها ، لا تجد من يرسم على وجهها بسمة!!!!
فتاة بعمر الزهور ،، تخبئ بقلبها حزن وألم يفوق أضعاف عمرها ،، تخنقها دموعها حتى صارت كالغصة فى حلقها
من ثقل همومها كبرت قبل الأوان ، ولم تجد سبيل لتمارس طفولتها ، ولم تجد من يشاركها،، 
 تتجه لصديقها الوحيد ،، من يسمعها و لايملّ ، من تبوح له دون خوف أو تردد

إنه الحائط!!!!
تجلس بجوار الحائط وتمسك بقلمها وترسم ،، ترسم  إنسان ، ذو وجه باسم  ،
لكنه بدون أُذنان ، كى لا يسمع ما تسمعه من صياح وصراخ ، ولهذا فهو باسم....
و تترك دموعها تنهمر دون منعها أو حبسها ، حتى تذوب الغصة التى تخنقها وتتلاشى
وبعد أن تنتهى ، تنظر للوجه المرسوم وتتمنى لو كانت مكانه ، كى تستطيع أن تبتسم مثله
وهكذا تظل ترسم  وترسم ،،، وتغرق بخيالها مع الحائط ...
 هو فقط من يتسع صدره لها ،، فليس لها صديق إلا هو ..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبناؤنا والهجرة

قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً

خُـصْلَـةُ شَـعْـر