طيارة ورق

إنطلقت صافرات الإنذار ، معلنةً قصفاً بالمروحيات العسكرية ، يهرول كل فرد ليختبئ ،،
فهذا ينزل السرداب ،، وذاك يحتمى بمدخل عمارة ، حتى تمر الغارة فيعود كلٌ لما كان عليه .
قد تمر بسلام ، ولكن غالباً ما تترك خلفها دمار ،
 فهناك منزل انهار بالكامل ، وأخر شبت النار فى إحدى طوابقه ،
على الجانب الأخر نرى أشلاء ممزقة ، ودماء على الأرض جارية،،
مشهد إعتاد عليه الجميع ، فى ظل  إحتلال غاضب لا يعرف سوى القتل والتخريب ولا يفرق بين رجل أو أمرأة ، ولا بين طفل أو شاب .

وسط كل هذا كان هناك ورق ملون ،، مقص ،، خيط ،، وشريط لاصق.....
تلك كانت الأدوات التى إستخدمها هذا الطفل الصغيرالذى لم يبلغ السابعة لصنع طائرة ورقية،،
تشاركه أخته الأكبر منه ذات التسع سنوات ، تساعده وتصنع لنفسها طائرة مثله ،
حتى يفرغ كلاهما من صنع طائرته ، ثم يتركها تطير عالياً ممسكاً بطرف خيطها ، تارة يشدّه ويجذبه وتارة أخرى يرخيه...
يتسابقان ، أيهما ستصل طائرته لأعلى إرتفاع ، يحاول كل منهما ان يبتعد عن الأخر كى لا تتشابك الطائرتان معاً،،
تعلو أصوات ضحكهم ، وتعلو كل طائرة  ، ويحلق الطفلان بخيالهما معها عالياً فى السماء ،
تمنى كلاهما لو ان لديه جناحان ليشاركا الطائرة تحليقها وارتفاعها ،
لا زالت الطفولة تداعب تفكيرهم ، رغم ما تراه أعينهم من قصف وقتل ودمار،
وكلما مرّت عليهما طائرة حربية ، تمنى كلاهما لو يقاتلها بطائرته ، لكنها ليست سوى طيارة ورق ...

وهكذا قضى الطفلان وقتهما يلعبان بالطائرة الورقية ،،
حتى أوشكت الشمس على الغروب ، فيسرع الأثنان يلملم كلٌ منهما خيط طائرته عائدان للبيت ، قبل حلول الظلام،،
يقطع هذا كله أصوات صافرات الإنذار يملأ صداها المكان لتجبرهم على الإسراع أكثر ،
ترك كلاهما طائرته على الأرض وأسرع للإختباء ، تفرقا وسط الناس وإبتعد كلاهما عن نظر الأخر،
 إحتمى الطفل الصغير بإحدى مداخل العمارات ، حتى هدأت الأجواء وتوقف القصف....
خرج ليبحث عن أخته بعينان تائهتان ، يملاؤهما شوق الوصول إليها ،ويبدو فيهما أيضاً الخوف من عدم اللقاء
وأخذ يتلفت يميناً ويساراً ، فنظر حيث كانا يلعبان وتركا الطائرتان الورقيتان ، فرأى لفيفاً من الناس ،،،
أقبل ليرى ما يجمع هؤلاء ، خفق قلبه بشدة وشعر أنامله باردة حين سمع بعضهم يهمس قائلاً:"لا حول ولا قوة إلا بالله"
ورأى بعض النسوة يبكين ،
تباطأت خطاه ، وملأ الخوف عيناه ، وارتجفت قدماه ،
حاول جاهداً أن يتسلل ويندس بين هذا الجمع ،،، فشاهد أخته ملقاة على الأرض ،
قد تشابكت قدماها بخيط طائرتها الورقية فوقعت ولم تستطيع الجرى للإختباء ، فأصيبت من جراء القصف وفارقت الحياة...
إقترب منها جاثياً على ركبتيه ، ممسكاً بيدها وقد تلطخت بالدماء ، نظر لوجهها وقد تشوه وإختفت معالمه وصار فقط لوحة جرداء ،
لم يحتمل المشهد وفقد وعيه ،،،

أفاق ليجد نفسه فى غرفته ، واخته ليست بجواره ، أسرع إلى حيث كانا يلعبان ، كان الطرق خالياً وتفرق الجمع الذى كان هناك
إقترب فرأى طائرتها الورقيه مازالت على الأرض ملقاة ، وقد تشبعت بالدماء
أخد يلملم خيطها  ليحتضنها بقوة ، فهذه كل ما تبقى من أخته بعد أن رحلت ولن تعود لتشاركه لعبه ،
أزرفت عيناه دمعهاً ، ونظر عالياً حيث الطائرات العسكرية تجول فى السماء ، وتسائل :
أأثقلت تلك الطائرات المقاتلة طائرات ورقية تزاحمها جو السماء؟!
أم إستكثرت تلك الطائرات المقاتلة أن تطير بجوار طيارة ورق؟!!

تبدلت نظرة الحزن التى بعيناه إلى نظرة رغبة فى الإنتقام ،
وكلما رأى غروب الشمس تذكر أخته ، وأمسك بيده تلك الطائرة الورقيه فهى كل ما تبقى منها ولا زالت تحمل دمائها ، وينظر هناك حيث كانا يلعبان ، ليرى أخته وكأنها مازلت تجرى ممسكة بطرف خيط طائرتها الورقية ويملأ صوت ضحكها المكان ،
يخاطبها واعداً إياها أن دمائها لن تذهب هبائاً ، وطائرتها الورقية لن تُنسى بين أحداث الزمان ،
سيظل محتفظاً بها ، حتى يحين موعد الأخذ بالثأر والإنتصار ،
عندها سيتركها تحلق عالياً فى سماء الحرية والكرامة ، دون إختباء من قصف ، أو خوف من ظلام ،
وحتى ذلك الحين فهو مازال لا يملك سوى ، طيارة ورق.....

تعليقات

‏قال غير معرف…
كما تعودناكي دائمآ رائعه في اختيار الكلمات واختيار الموضوع رغم انكي تميلي الى الحزن في اواخر قصصك
واتسأئل متى نقرأ لكي قصه بها افراح ؟؟؟
اشفق عليكي من حالة الحزن هذة وان كنتي تجيدينها
احسنتي وننتظر المذيد
أستاذ / أيمن ،،
شكراً لمرورك
أسعدتنى بقراءة قصتى المتواضعة
وقريباً إن شاء الله تقرأ قصة بها أفراح...
دمت طيباً :)
جميلة اوى هذة القصة وربنا يعديها على خير
الأجمل مروركم
شكراً لكم :))

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبناؤنا والهجرة

قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً

خُـصْلَـةُ شَـعْـر