كنت سنفورة :)



صغيرى عمار مشترك بتدريبات السباحة؛ أتى يوم الإنتقال لمستوى أعلى، وبالتالى الخضوع لإختبار تقييم أداء؛ الاختبار سيكون فى نادى أخر غير الذى يتدرب به،  وبالفعل تم تحديد الزمان والمكان..
لا مشكلة فيما سبق، التالى هو الأهم 😅
سألت المُدرب : متى؟
أجاب : الخميس القادم
أين؟
نادى الزمالك للقوات المسلحة.
هنا سأسكت قليييييلااااا🤐

استقبلت إجابته بشرود ذهن وعودة بالذاكرة للخلف أكثر من ٢٥ سنة، وانصرفت عن المدرب دون إستئذان، منساقة لقدمى توجهنى إيما مكان.
وأخذت أتسائل : 
أحقا هو ذاك النادى الذى طالما قضيت فيه أوقاتا كثيرة، ما بين جرى بالحديقة، وركوب الأرجوحة، وسباحة ...😍

ياالله .. السباحة !! نعم ، فكم كنت أذهب مع أسرتى، للسباحة فى مسبح هذا النادى، وكنا نجتمع مع أبناء وبنات أقاربى ونقضى أوقاتا ممتعه هناك، لازلت أذكر تفاصيل ذاك المكان 🤗

منذ سنوات عدة مضت؛ كنا نجتمع عند جدتى(رحمها الله) بحى شبرا؛ ثم ننطلق من عندها متجهين للنادى؛ النادى بحى الزمالك؛ أى يفصل بينهما فقط نهر النيل؛ فكل ما علينا هو عبور كوبرى أبو العلا⁦☺️⁩
كان كوبرى رائعاً شاهقاً من الحديد الصلب؛ تم افتتاحه عام ١٩١٢؛ كنت أعشق السير عليه والنظر لأسفل؛ حيث نهر النيل والمراكب الشراعية؛ كان الكوبرى مصمما بشكل هندسى فريد؛ مزود بفواصل حديدية؛ بحيث ينفتح كلما مرت مراكب ذات ارتفاع عالى.
 كنت أقف بقدمى على مقربة من تلك الوصلات واتخيل انها تنفتح لتسمح بعبور المراكب؛ كم تمنيت أن أرى حدوث هذا بعينى.

عند نهاية الكوبرى كنت ألمح بوابة النادى على مسافة حوالى ٢٠متراً؛ لازلت اذكر تلك البوابة التى كنا نمكث عندها بضع دقائق لتفتيش الحقائب، ثم نتركها لنبدء بالدخول، فيقابلنا ملعب كبير للتنس، كم كنت أعشق النظر إليه بلونه الأخضر والشباك البيضاء التى تحيط به، ويا سعدى لو حالفنا الحظ فيصادف وقت وصولنا مبارة مقامة عليه، فأتباطؤ فى مشيتى قليلا حتى أتابعهم :)

وعلى الجهة المقابلة كان هناك مسرحا كبيراً، عرفت من أمى أن مسرحيات مشهورة عُرضت عليه، منها مسرحيات لفؤاد المهندس، بخلاف الحفلات التى كانت تقام عليه فى السادس من اكتوبر كل عام، كان مسرحا مبهجاً، بستارته الحمراء الكبيرة المنسدلة، لا أخفى عليكم فقد كنت أتخيل نفسى مطربة أقف عليه خلف تلك الستارة، على وشك أن تبدأ حفلة لى، وأن هناك جمهوراً ينتظرنى :)

وبجانب المسرح أذكر ساحة الألعاب، كانت تحتوى أرجوحات من الحديد، كم تأذيت بسبب سخونة حديد الأرجوحة بفعل حرارة الشمس، رغم هذا لم أكن لأتركها أو أتنازل عن ركوبها مرات ومرات :)

وفى الواجهة مدخل المسبح، لازلت أذكر مساحته الكبيرة جداً، فقد كنت أسبح بطوله ذهابا وإيابا، وأصعد وأقفز مرات عديدة، وأذكر أيضاً الحائط الخشبى المحيط به، أظن لونه أزرق ... لا بل سماوى، وأذكر أماكن تغيير الملابس، عبارة عن غرف صغيرة يفصل بينها حواجز خشبية.

كيف مرت الأيام بتلك السرعة، كبرت وكبر أبناء وبنات العائلة، وأصبح لكل منا وجهته وطريقه، فتفرقنا ولم نعد نذهب هناك، ولكن تُرى .. هل الأعوام مرت بسرعه، أم أننا كبرنا فجأة دون أن نشعر؟!!!

افقت من شرودى على صوت إبنى، يطلب منى المنشفة بعد أن انتهى من التدريب، أعطيته إياها وأنا ابتسم فى تعجب وتسائلت:
من كان يدرى أن ذاك المكان الذى خطوت فيه بقدمى كطفلة صغيرة، سأخطوه يوما بقدم الأم التى أتت لتتابع صغيرها وهو يخطو ويسبح بنفس المكان!!
سألت صغيرى: أتدرى أين سيكون اختبار الأداء؟
أشار برأسه أن لا أعرف
قلت: فى النادى الذى كنت أذهب إليه وأنا بمثل عمرك، سوف تسبح بنفس المسبح الذى كنت أسبح فيه، كم اشتاق لتلك الزيارة، متى يأتى الخميس بسرعة!!

وأتى الخميس.....
ركبت السيارة وكنت متحمسة طول الطريق، لا أدرى لماذا خيم علىّ شعور كأننى تلك الطفلة ذات الضفائر، تحمل دميتها وكيس الحلوى ؛ فى طريقها لقضاء يوم فى المسبح :)
بدأنا الطريق حتى اقتربنا من كورنيش النيل؛ تذكرت جدتى ودعوت لها بالرحمة؛ ثم انتظرت رؤية كوبرى أبو العلا؛ أخذت اتجول بعينى يمينا وشمالا عبر هذا النهر الجارى؛ لكن لا أثر للكوبرى؛ تسألت أين هو؟
لم يبرح سؤالى كثيرا؛ فقد لفت انتباهي حديد الكوبرى المفكك؛ والملقى على الأرض أمام مبنى مركز التجارة العالمي 😟
كيف؟!! ومتى؟!! ولماذا ؟!!!!
علمت بعدها أنه تم إزالة الكوبرى عام ١٩٩٨.. وها هو يرقد بسلام بالقرب من النهر الجاري.. طبيعة الدنيا ألا يبقى حال على ما هو عليه.
لا أخفى عليكم.. شعرت بألم فى قلبى؛ كيف أرى قطعة من ذكرياتى تبدلت وتم ازالتها؛ ألا يكفى فراق جدتى وتفرقنا بعدها؟!
حسنا.. لا داعى من النحيب على ما مضى.. فكلنا راحلون..

وصلنا أخيراً .. ها هى بوابة النادى كما هى، عبرتها مبتسمة فى شغف، أخطو خطوات ثابته باحثة عن ملعب التنس ...
 أين الملعب؟ أين الملعب؟
تجولت بنظرى يمينا وشمالا، لم أرى سوى ساحة انتظار للسيارات!!
توقفت مكانى ولم أقوى على السير؛ اشعر اننى لن احتمل المزيد من محو ذكرياتى؛ الكوبرى ثم الملعب!! تُرى هل اغمض عينى واكتفى بما فى ذاكرتى من مشاهد؛ أم أنه لابد من تقبل أمر دوام الحال من المحال؟!
حسنا.. فلنتقبل الأمر.. لا مشكلة، لننتقل إلى المسرح 😣 يا إلهى ماذا حل بالمسرح؟ 😮 أصبح مخزنا لقطع خشبية محطمة وبقايا مقاعد بلاستيكية، والستائر الحمراء لم تعد سوى قطعة قماش بالية لا لون لها، حقاً لا أصدق ما أرى!!

انتقلت بنظرى لساحة الألعاب، لم تعد أرجوحتى الحديدية موجودة، بل لم يعد هناك أى من تلك الألعاب التى كنت استمتع بركوبها واللعب عليها؛ تم استبدالها جميعا بملاهى كهربائية.
حسناً.. لا بأس يا أماني، تذكرى انه دوام الحال من المحال 😭 دعونا نتجه للمسبح، لعله يطابق تلك الصورة التى مازالت فى خاطرى، اقتربت منه بخطوات متثاقلة حذرة، أخشى أن أُصدم فى أخر ركن بالمكان، تخطيت بوابته ونظرت إليه...
ما هذا؟؟
 ألم يكن أكبر من ذلك!! 🤔
 يا ربى .. أحقا هو بتلك المساحة من زمان؟ 
كيف إذن كنت أراه كبيراً جداً ؟!!😂
أخذت أتجول حوله لأتأكد منه، بلى هو فعلا، ولكنه صغير وليس بالحجم الذى كنت أراه زمان!
والجدار الخشبى المحيط به، يبدو كأنه فعلا كان لونه سماوى، ولكنه يزيد المكان ضيق وخنقة، كيف كنت أراه متسعاً وشاهقاً؟
حتى غرف تغيير الملابس، لماذا كنت أراها جميلة ورائعة؟!
لا أدرى ماذا حل بالمكان، أم ماذا حل بى أنا؟ 😱🤕
قضيت ما يقرب من ساعه وانا بين حنين للماض، ورفض للواقع، ما بين طفلة تستمع بوقتها وسعيدة بكل تفاصيل المكان، وامرأة تتأفف من نفس المكان!
تُرى هل عوامل الزمن تركت بصمتها علي كل شئ فأنقصته بهجته، أم أننى كنت سنفورة لدرجة أننى لم أعى ألا شئ يبقى على حالته.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنحتفل بمولده ،، أمْ بوفاته!!

ما بين الحب والزواج التقليدى

أبناؤنا والهجرة