الجمعة، 4 أغسطس، 2017

بَريرة هذا الزمان !!


بَريرة ومُغيث، قصة حُب من طرف واحد، وقعت فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم، وتضرب لنا مثلا رائعاً لسماحة الإسلام، ولحكمة النبى صلى الله عليه وسلم فى التصرف مع تلك الأمور.

بَريرة أَمَة مملوكة، أشترتها السيدة عائشة زوج النبى صلى الله عليه سلم، ثم اعتقتها لوجه الله، كانت بَريرة زوجة لعبد مملوك، والإسلام يعطيها حق حرية إتخاذ القرار، لها أن تبقى على علاقتها الزوجية، ولها ان تنفصل، فاختارت الإنفصال لأنها فى الأصل لم تكن تُحب زوجها.....

عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن زوج بَريرة كان عبداً يُقال له مُغيث، كانى انظر إليه يطوف خلفها يبكى ودموعه تسيل على لحيته، وفى رواية(يتبعها فى سكك المدينة يبكى عليها)
فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعباس : يا عباس.. ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بُغض بريرة مغيثا؟!!
فلما راى مُغيث إصرار بربرة على تركه، استشفع بالنبى صلى الله عليه وسلم، فشفع له عندها، فقال:لو راجعته فإنه زوجك وابو ولدك، قالت: يا رسول الله اتامرنى، قال: إنما انا شافع، قالت: لا حاجة لى فيه.

أرأيتم كيف تعامل النبى صلى الله عليه وسلم مع الأمر، فلم يُكره بَريرة على الرجوع، ولم يأمرها او يُحمّلها ما لا تطيق، بل تعجب فقط من بُغضها لمغيث.
لم يكن منظور النبى صلى الله عليه وسلم لتلك الزوجة(بَريرة) كنظرتنا اليوم للزوجات، كانت نظرته أرق، دون إجبار، أو توبيخ ، أو عقاب، أو إرغام على عيش حياة مع رجل لا تحبه ولا ترغب فيه، يا حبيبى يا رسول الله، بأبى انت وامى، ليتك بيننا اليوم لنحتكم إليه، فقد أمسينا فى خلل و تخبط.

لماذا اختلف حالنا اليوم، حين نجد زوجة تطلب الطلاق لأنها لا تُحب زوجها وتخشى على نفسها الفتنة، فتُقابل بكم هائل من السب والتوبيخ والإهانه، بل والإجبار على استكمال الحياة معه، بحجة الأولاد او بحجة أن زوجها يُحبها !!!
أى حياة و أى حُب يا سادة تقصدون، وعن أى أولاد تتحدثون؟!!!
قد ترونها حياة ولكنها جحيم بالنسبة لتلك الزوجة، وكيف للاولاد أن ينشأوا أو يتلقوا تربية حسنة وسوية فى تلك الظروف والأحوال!!

(ليس كل البيوت تُبنى على الحب) قول مشهور عن الفاروق عمر رضى الله عنه، لا اعتراض عليه وبالفعل هناك الكثير من البيوت قائمة دون حُب بين الزوجين، لكن مهلاً هل كل النساء يستطعن العيش دون حُب؟!!
أن تعيش المرأة مع رجل لا تُحبه باب فتنة لا يُحمد عقباه، فالزواج شُرع لتحقيق العفة واحصان الزوجة والمتعة الحلال، ولا يخفى ان من أعظم مقاصد الشريعة فى تشريع الزواج، حصول السكن النفسى والمودة والرحمة.
أنى لتلك الزوجة التى لا تحب زوجها ولا ترغب فيه، أن يتحقق لها العفة، أو الإستقرار النفسى، ألا تخشون عليها الفتنة؟!!!

ولعلى أذكر لكم ما يدل على جواز طلب الفراق عند بُغض الزوج وعدم احتمال البقاء معه، ما رواه البخارى فى صحيحه ، ان امرأة ثابت بن قيس أتت النبى صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس لا أعتب عليه فى خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أتردين عليه حديقته، قالت: نعم ، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.
ومعنى أكره الكفر فى الإسلام: أى أكره أن أعمل الأعمال التى تنافى حكم الإسلام من بُغض الزوج وعصيانه وعدم القيام بحقوقه.

وبالطبع لا ننكر هنا انه مؤلم للزوج أن يحب ويُقابل بالبُغض، ولكن دعونى أذكركم بحديث النبى صلى الله عليه وسلم(الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)، فلماذا اللوم والتوبيخ لزوجة تُبغض زوجها، أليست روح، بشر يُحب ويكره!!! فكيف لهذا الزوج أن يُجبر امرأة لا تُحبه للقيام بحقوقه الشرعية، وكيف يطيق أن يطلب منها المعاشرة والجماع وهى على غير استمتاع!!


أيها السادة.. رفقا بالقوارير، لا تُكرهوا امرآة للعيش مع زوج لا تُحبه، خاصة إن لم تأمن على نفسها أن تُفتن بغيره، أو تخشى الوقوع فى الزنا(نسأل الله العفو والعافيه)، ولا داعى لكثرة اللوم والعتاب، فقد أحلّ الله الطلاق كما شرع الزواج، وبالطبع لا بأس من محاولة الإصلاح ما استطعنا، ولكن إذا صعُب الأمر واستحالت الحياة، فلا حرج من الطلاق بعد التدبر والتفكر فى عاقبة هذا الأمر، ودون اهانه او ظلم لأحد.
ولتنظروا إلي تلك الزوجة كنظرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى بَريرة، ولتعتبروها بَريرة هذا الزمان.