الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

المزرعة


على غير عادته ، استيقظ أبى مبكرا يوم العطلة الاسبوعية ورأيته يستعد للخروج ،
امسك بسماعة الهاتف وكانت نبرته حادة وأطال فى الحديث ، فهمت من خلال الكلام انه يتحدث إلى عمى ..
واستخلصت من الحوار انهما يتقفان لبيع مزرعة جدى رحمه الله ..
وبعد إلحاح منى وافق ان يصطحبنى معه ،
طول الطريق وانا فى صمت ، اتسائل بينى وبين ونفسى ..  كيف سيبع ابى مزرعة جدى ، تلك التى شهدت كثيرا على اجتماع افراد العائلة ، ولا زلت اذكر كل شبر فيها ، وحيث لى ذكريات بكل ركن من اركانها ،
أغمضت عينى وخُيل لى كأننى أراها ماثلة أمامى بأشجارها وثمارها الجميلة ، أذكر كل صيف حين كنا نقضى أغلبه هناك ، ونأكل من أشجار المانجو والعنب ، ونساعد عمال المزرعة فى جمع الثمار وتعبئتها فى الصناديق لبيعها ،
وأيضا البيت الصغير الذى بناه جدى وسط المزرعة ، بتصميمه البسيط وحديقته المحيطه به من كل اتجاه ،
بنى جدى هذا البيت واشرف على بنائه بنفسه ، كان يخبرنا بهذا كلما اجتمعنا عنده ،
 يتوسط حديقة مزورع فيها انواع كثيرة من الأزهار ذات اللأوان المختلفة والروائح العطرة ، كان جدى يهتم برعايتها وكنت انا واخوتى وابناء عمى نشاركه سقيها بالماء وقص التالف منها ، وكم كان يبهجنا عندما يقطف جدى بعض الورود ويهديها إلينا ،
ووسط تلك الحديقة ارجوحة صغيرة صنعها جدى بيده ، اذكر حين كنت اتعارك مع ابناء عمى لركوبها وكنا نتسابق إليها ،
وايضا اذكر الفرن الصغير الذى كان  خلف البيت ، كان فرن مصنوع من الطين ، وكانت جدتى رحمها الله تجلس بجواره وهى تصنع لنا الخبز والفطير ..
وغرف البيت ذات الفرش المتواضع الجميل والنوافذ الخشبية الارابيسك المزخرفة بالزجاج الملون ، كم سهرت فى تلك الغرف ولعب وجريت  ، ليتنى استطيع ان ارى كل هذا ولو مرة واحدة أخيرة قبل بيعه ، فانا لم أذهب إلى هناك من عدة سنوات منذ وفاة جدى ، ليتنى اراه ..
كنت طوال الطريق متلهفا ان ارى المزرعة ، حتى مر الوقت ووصلنا إلى هناك .. ولكن ... ما هذا ؟!!
ما الذى أصاب المكان ؟!! ما هذا الحطام ؟!! واين الحديقة والأزهار ؟!! واين الأرجوحة ؟!!! وأين ثمار المزرعة ؟؟!!
لم يعد شيئا كما كان ، فقد انهار جزء من البيت وتحطمت واجهته  ، والنوافذ يعلوها التراب وزجاجها تهشم وتكسر ، والحديقة اصبحت مقلبا للقمامة ومستقراً للحيوانات الضالة ، والأرجوحة مبعثرة أجزائها ، واشجار المزرعة ذبلت وماتت ، والعمال غادروا ، ولا اثر لشئ مما كان فى ذاكرتى
لماذا لم يهتم احدهم بالمكان ؟ لماذا نسى الجميع تلك المزرعة ؟
ندمت اننى اتيت واتجهت لسيارة ابى اجلس بها حتى ينهى ابى عملية البيع هذه ، وظلت طول الوقت مغمضا عينى كى تظل الصورة التى فى ذاكرتى كما هى ، فلا داعى لتشويه ما تبقى من ذكريات عالقة بخيالى .