الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

"لَيَاَلٍ عَشْرٍ" ،، فضائل روحانية وسُنن منسية (1)

(قال النبى صلّ الله عليه وسلم : ما من ايام العمل الصالح فيها احب الى الله من هذه الايام - يعنى ايام ذى الحجة - قالوا : ولا الجهاد فى سبيل الله ، قال : ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشئ)
هل تسائل أحدكم يوما من اين أكتسبت تلك الأيام هذه المنزلة ؟؟؟
قال أحد السلف : لإجتماع امهات العبادة فى تلك الأيام العشر ،
بالفعل ... إن أيام العشر من ذى الحجة جمعت الفضل كله ، وجميع انواع البر من صلاة وصيام وقرآن وذكر وتكبير وتهليل وتلبية ، فيجتمع ذلك كله مع شعائر الحج .
وكلٌ من تلك العبادات عليها من الأجر والثواب ما لايُعد ولا يُحصى،،،
لــكــن الله لا يريد فقط من عباده ان يسبحوه ويذكروه فى تلك الايام ، حتى اذا انتهت نسوا ذلك بعدها .. كما كانوا قد نسوا من قبل ،
ولا يريد منهم عباده جسدية دون استشعار لمعانى روحانيه اخرى عظيمة قد تغيب عنهم!!

أولاً : ( الوحدة والإخاء) :
من عظمة ديننا انه لا يترك اى فرصة الا واغتنمها لإشاعة روح الوحدة والإخاء ،،،
فكما أمرنا الله بالعبادات ... أمرنا ايضا بالإلتفاف حول راية الاسلام "وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلَاَ تَتَفَرّقُواْ".
إخوتى....أدعوكم ان نعود بالذاكرة قليلا ونتذكر شهر رمضان...
هل رمضان فقط صوم وصلاة وقيام؟؟؟
لا والله .. ان هناك فضل عظيم لشهر رمضان ، وجميعنا نستشعره ولكن سرعان ما ننساه ، وللاسف قد يغفله البعض نهائيا!!
الا وهو ... التوحد والتلاحم والترابط والاجتماع،،
فنجد ابناء القُطر الواحد يجتمعون على وقت الصوم والافطار ، وبعد ذلك يصطفون فى صلاة التراويح والقيام ، ويتسابقون فيما بينهم لختم القرآن ،
ونلاحظ مدى التراحم بين الاهل والاقارب ، والاحسان الى الجيران ، والعطف على الفقير ، والجود والانفاق .. سواء كانت صدقة او زكاة فطر ،
حتى الاطفال الصغار يتشاركون فى تزيين الطرقات بالزينات الملونة ويجتمعون للسهر حتى مطلع الفجر.
هكذا هو ديننا...ليس فقط عبادات تؤدى بالجسد دون فهم الجانب الروحانى المقصود منها ،،

وكما كان رمضان نموذج مُصغر للوحدة الروحية ، نتيجة اختلاف البلدان والتوقيت والاجناس واللغات ،،
يأتى الحج..يرسخ تلك الوحدة اكثر فى اذهاننا لنستشعرها ونتفهم قيمتها واهميتها ،
حيث يجتمع جميع المسلمين على صعيد واحد بجميع ألوانهم وأجناسهم وأطيافهم ، من شتى أنحاء المعمورة من مشارق الارض ومغاربها ، لتذكير المؤمنين باهم مقومات بناء الحضارة الا وهو الوحدة والتلاحم ، والذى به يعود للأمه عزّها وقوتها،،
يجتمعون تحت كلمة واحدة ..الله أكبر الله اكبر .. لا اله الا الله ،
بهدف واحد .. الله وحده لا غيره ولا أحد سواه ،
ونيّة واحدة .. رضاه سبحانه وتعالى ،
وذكر واحد ... لبيك اللهم لبيك.

تربطهم رابطة أخوة ايمانية ، تذكرهم بخيّريّة أمتهم "كُنتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاَسِ"،
 نعم .. خير أمة أرسلت للناس كافة ، تحمل اعظم رسالة واشرف دين ، ليبلّغوا رسالة الله عن رسول الله صلّ الله عليه وسلم ساعين لتحقيق الهدف بان تكون كلمة الله هى العليا .

ومع كل شعيرة من شعائر الحج من طواف وسعى وغيره ، يجتمعون على الذكر والدعاء والغاية، تتلاقى قلوبهم وارواحهم رغم اختلاف اجناسهم..
لذلك كان اغتنام هذه الايام اشد من الجهاد فى ساحة القتال ، انه جهاد النفس (الجهاد الاكبر) ، فيجدد الكل نيته ويصدق مع الله فى عبادته لتمتد الروابط بين القلوب الصادقة مع الله ، وتقوى الصلات ويتحقق معنى الوحدة وتعود للأمه العزّة والكرامة.
(وفى هذا رسالة للعالم  اجمع - انه رغم الدماء التى تسيل ، والارواح التى تزهق ، فاننا لا نزال على قلب رجل واحد ، ولا ينقصنا سوى توحيد الكلمة والصف...)
فى تلك العشر يبرز معالم الاعتصام بحبل الله فالجميع على صعيد واحد ، يدفعهم هدف واحد ، يتوجهون لرب واحد سبحانه وتعالى ، حتى من لم يقدر الله لهم الحج يشاركونهم بقلوبهم ...فتتلاقى ارواحهم وتزداد انفسهم شوقا ليكونوا مكانهم .
ويوم عرفة (يوم الحج الاكبر) حيث يقفون الحجيج على صعيد عرفات يلبون تلبية واحدة ...لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك
ويشاركهم كل المسلمين فى انحاء المعمورة بشتى صورهم واختلاف ألسنتهم وأجناسهم وألوانهم ، فتتعالى الاصوات وتدوّى بها افاق الدنيا ،
هم يقفون على الجبل ونحن نشاركهم بالصوم ، وقد ثبت عن النبى صلّ الله عليه وسلم انه قال عن صوم يوم عرفة : احتسب على الله ان يكفر السنة التى قبله والسنة التى بعده،،
الحاج يعود كيوم ولدته امه (من حج فلم يرفث او يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ، ولغير الحاج فرصة عظيمة ان يشاركة مغفرة الذنوب بصيام يوم عرفة ، ويشاركه استجابة الدعاء (خير الدعاء دعاء يوم عرفة).

ثانياً : (التقوى) :
عاشر هذه الايام (يوم النحر) ، فى نفس  الوقت الذى يذبح الحجيج هديهم ... ينحر المضحون دماء اضاحيهم ،
 "لَنْ يَنَاَلَ اَللهَ لُحُومُهَاَ وَلَاَ دِمَاَؤهَاَ وَلَكِنْ يَنَالَهُ اَلتّقْوَىَ مِنكُمْ"
فليس المقصود ذبح واطعام الطعام ولكن المقصود تحقيق التقوى ، واين هى التقوى؟؟
وتستمر الشعائر والذكر والتكبير حتى أيام التشريق ، "ذَلِكَ وَمَن يُعَظمْ شَعَاَئِرَ اَللهِ فَإِنَهَاَ مِن تَقْوَىَ اَلْقُلوْبِ" ،
(قال النبى صلّى الله عليه وسلم : التقوى هاهنا ، وأشار الى صدره ثلاث مرات)
التقوى محلها القلب ، ليست فى اللسان ولا فى الجوارح ، التقوى معنى روحانى غير ملموس ولكنه مطلوب ..
حتى فى صوم رمضان قال الله تعالى فى اخر أية الصوم "لَعَلّكُمْ تَتّقُوْن" ،
واذا تحققت التقوى فى القلوب تبع ذلك اللسان والجوارح.

ثالثاً : (تذكر يوم الحساب) : 
ألا يذكركم يوم الحج بيوم الحشر؟؟؟
حيث نجد الحجيج أتوا من كل مكان على سطح الارض ، ملوك ورعايا..أغنياء وفقراء الكل سواسية ،
قد تجردوا من متاع الدنيا وزينتها وتوحدوا حتى فى لون وشكل الملبس ،
ليس هذا فحسب بل انها ملابس تجعلهم فى حيز رؤية الكفن ، فالجميع سواء فى الثوب كما هم فى ثوبهم الاخير فى القبر ، فهم كالاموات فى اكفانهم..
ونجدهم أيضا ً قبل قدومهم يطلبوا العفو من جميع من أساءوا إليهم ويؤدوا ما عليهم من ديون وإلتزامات ، كالمحتضر أو من أدركه الموت!!!
تماما كمشهد يوم الحشر "يَوْمَ هُمْ بَاَرِزُوْنَ لَاَ يَخْفَىَ عَلْىَ اَللهِ مِنْهُمْ شَئٌ" ، حيث نُبعث من قبورنا للحساب والكل على صعيد واحد امام الله ، متجردين من المال والولد والملك والجاه ،
"وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَاَ فُرَاَدَىَ كَمَاَ خَلَقْنَاَكُمْ أَوْلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَاَ خَوْلنَاَكُمْ وَرَاَءَ ظُهُوْرِكُمْ"

إخوتى...
تحسسوا تلك الفضائل الروحانية  واكتشفوا غيرها ولا تنسوها ،
فإننا فى غمرة الزحام الدنيوى والماديات الطاغية على حياتنا والملهيات .. تشتاق النفس لحالة ايمانية تترفع بها عن كل هذا وتحملها الى عالم روحانى يقربها الى الله ، وقال النبى صلّ الله عليه وسلم (إن لربكم فى ايام دهركم نفحات فتعرضوا لها عسى أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها ابداً)
وفى تلك الايام العشر دفعة ايمانية للنفس تسمو بها الى النقاء والصدق مع الله..
إحرصوا في تلك الأيام على كل عمل صالح ، انها فقط ايام عشر...قليلة فى الأزمان ثقيلة فى الميزان .
وقد كان النبى صلّ الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة والتابعين يقبضون بالنواجذ على تلك الأيام ، ويجتهدوا فيها لعمل كل صالح ،
وهناك الكثير من الشعائر و السُنن المُستحبة فى عشر ذى الحجة و التى قد مرّ عليها الزمان فأنسانا إياها ، رغم ثوابها وعظيم أجرها!!
وقبل الحديث عن تلك السُنن المنسية  .. أرى أن  أول ما نبدا به هذه الأيام  التوبة الصادقة  ،
جددوا تبوتكم وأوبتكم إلى  الله هذه الأيام ،
فلا عيب ان نُخطئ .. ولكن العيب ألا نبادر بالتوبة ، والعيب الأكبر ألا نغتنم مواسم العبادات لتجديد تلك التوبة ،
(كل بنى آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون)
اقتلع عن الذنب وأندم حقا على ما أرتكبت واحرص على عدم العودة ... خطوات بسيطة .. فقط تحتاج لقلب صادق تتبعه الجوارح وتؤيده.
فقط أصلحوا قلوبكم فى هذه العشر...يصلح الله حالكم باقى الدهر.

أكتفى بهذا القدر، ولنكمل الحديث عن السُنن المنسية فى الجزء الثانى إن شاء الله،،
هذا وما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ أو سهو فمن نفسى والشيطان،
واعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه .. كما أعوذ به أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ثم يرمى به فى جهنم ،
وإلى ان ألتقى بكم ..لاتنسونى من دعائكم :)

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

نور الله قلبك بفضل وببركة الايام العشر .. مقالة جميلة وكلمات رائعة جعلها الله في ميزان حسناتك ورزقك زيارة عرفات الله. وفي انتظار الاجزاء القادمة التي تجعلنا نعيش في روحانيات هذة الايام الكريمة. احمد غزال.

محمد الصعيدى يقول...

اللة ام اكتبها لنا ولكى ونكون فى بيت اللة ويغفر اللة لنا ولكى الهم امين تسلمى على ه>ة المعلومات تقبل اللة منكى ومنا اختى امانى وشكرا